أميرة مطر
أستاذة الفلسفة
تتحدث الدكتورة أميرة مطر، أستاذة الفلسفة وإحدى رائداتها والكاتبة والباحثة، عن رحلتها مع التعليم والعمل. التحقت أميرة مطر بكلية البنات بالزمالك، وبعدها التحقت بقسم الفلسفة في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وحصلت على الليسانس في عام 1953. وتم تعيينها للتدريس بالقسم، وأصبحت رئيسة له في الفترة من عام 1975 وحتى 1981. وكان لها الفضل في إدخال دراسة مادتي الفلسفة السياسية وعلم الجمال في قسم الفلسفة بجامعة القاهرة. حصلت على شهادة الدولة التشجيعية في العلوم الاجتماعية في عام 1985.
ولدت أميرة مطر بالقاهرة لعائلة وصفتها بأنها عائلة محافظة، وكانت شقيقة لثلاثة إخوة من الذكور، وكان والدها مهندس ومن أوائل من درسوا الهندسة الكيميائية في إنجلترا، وشغل منصب وكيل وزارة الصناعة. أما والدتها، فكانت من القاهرة من عائلة السادة البكرية ولها أصول شركسية أرستقراطية، وكانت تعمل متطوعة في بعض الجمعيات الخيرية مثل مبرة فريال وجمعية التحرر الاقتصادي. وصفت والدتها بالطيبة والسماحة وتحدثت عن تأثرها بطريقة التربية الإنجليزية. كان المتعارف عليه في عائلتها هو إعداد الفتيات للزواج والتفرغ للواجبات المنزلية، وكانت الأسرة تهتم فقط بالتعليم بالمدرسة وتعلم لغة أجنبية، وكذلك الأشغال اليدوية والتي لم تهتم هي بها وأحبت الرسم والشعر والقراءة التي قضت فيها معظم أوقاتها. قرأت كتب مصطفى لطفي المنفلوطي وجورجي زيدان وكذلك الأدب الإنجليزي والفرنسي. أما بالنسبة للتعليم الجامعي، فكان غير مقبول اجتماعياً، حيث إن السبب الوحيد لعمل المرأة هو احتياجها المادي من وجهة نظرهم. لكنها رفضت ذلك، وأصرت على استكمال دراستها وحتى الوصول للتعليم العالي، وكذلك أصرت على العمل.
بدأت دراسة أميرة مطر في كلية البنات بالزمالك، حيث كان يتم إعداد الفتيات ليصبحن “سيدات مجتمع”. كان بالمدرسة قسم داخلي، وكانت تهتم باللغات والثقافة العامة والفن، ولم يكن هناك اهتمام بالعلوم والرياضيات. وكانت الدراسة في الأساس باللغة العربية مع الاهتمام باللغات. كانت ناظرة المدرسة ألمانية الجنسية، ثم جاءت بعدها ناظرة مصرية وهي الأستاذة كريمة السعيد والتي اعتبرتها قدوة لها مثلما اعتبرت أمينة السعيد وسهير القلماوي قدوة أيضاً. لم تعد المدرسة الطالبات للالتحاق بأي كلية غير كلية الآداب، وعليه لم تتمكن من دراسة الحقوق كما كانت رغبتها، ونظرا أيضاً لرفض والدها لدراسة الحقوق. لكنها اختارت الفلسفة، وكما تقول: ” كنت أحب أخش حقوق مثلاً، ولكن أما دخلت الآداب ملت إلى القسم اللي فيه الفكر اللي هو الفلسفة”. وبالفعل التحقت بقسم الفلسفة بجامعة القاهرة في عام 1942، وكان عميد الكلية في ذاك الوقت هو الدكتور عوض محمد، كذلك درس لها عدد من الأساتذة الكبار ومنهم دكتور زكى نجيب محمود ودكتور عثمان أمين ودكتور مصطفى حلمي ودكتور فؤاد الأهواني. أحبت الدراسة الجامعية وشعرت من خلالها أن لديها حرية الخروج والحركة، وكذلك الاطلاع على الحياة السياسية والثقافية. وشاركت في عدد من الرحلات والأنشطة الثقافية بالجامعة، حيث كانت هناك جمعية للموسيقى الكلاسيكية برئاسة الدكتور عز الدين فريد، وكذلك جمعيات للرياضات المختلفة. اهتمت في ذلك الوقت بالاطلاع على أنشطة الأقسام المختلفة بكلية الآداب، كنشاط المسرح بقسم اللغة الإنجليزية وغيره من الأنشطة مثل الندوات والصحافة. بعد حصولها على درجة الليسانس في عام 1953، وكانت الأولى على دفعتها، تم تعيينها بالقسم بعد حصولها على دبلومة في العلوم السياسية، وكذلك حصولها على درجة الماجستير، وكان شرط تعيينها هو التخصص في الفلسفة القديمة، فانجذبت لدراسة الحضارة والثقافة اليونانية القديمة.
بعد حصولها على درجة الماجستير في عام 1956، وكانت عن فلسفة الجمال في العصر القديم وعلاقتها بالعصر الحديث، وأشرف على رسالتها الدكتور فؤاد الأهواني، رغبت بعد ذلك في الحصول على درجة الدكتوراه من الخارج، ولكنها لم تتمكن من ذلك، لأن العلاقات كانت مقطوعة بين مصر وإنجلترا وفرنسا بعد الثورة، وكانتا هما الدولتان التي تعرف لغتهما جيداً. لم يوفقها الحظ بعد ذلك في الذهاب في بعثة أو الحصول على منحة، ولكنها أصرت على السفر إلى الخارج، وعلى نفقتها الخاصة، لجمع المادة العلمية لدراساتها وأبحاثها. وقامت بترجمة عدد من كتب الفلسفة من اللغات الإنجليزية والفرنسية واليونانية إلى اللغة العربية وكما تقول: “كان عندي قدرة على قراءة النص بالقاموس وترجمت لأفلاطون محاورات، وشغلتني دراسة الفلسفة اليونانية القديمة والفلسفة السياسية وعلم الجمال. كانت الفلسفة عندي لها معنى واسع ما فيهاش التخصص الضيق”.
ترى أن ثورة 1952 أثرت على المجتمع كثيراً، وأعطت أملاً كبيراً للشباب، وكما تقول: “كنت بأحس طبعا أن في آمال وطموحات كتيرة قوي على إيد الثورة جاية”.
تزوجت أميرة مطر زواج تقليدي عن طريق أصدقاء للأسرة، وكان ذلك بعد حصولها على درجة الماجستير، وكان تخصص زوجها في هندسة الطرق والهندسة المدنية. رحب زوجها بعملها واستكمالها لدراستها، حيث كان “واسع الأفق.. كان من النوع اللي يقدس العمل”، كما تقول عنه. تشاركا في القرارات الخاصة بالمنزل والأبناء، ولم تشعر أن زواجها أثر على عملها ودراستها أو العكس، وكان التأثير السلبي الوحيد للمجهود الذي بذلته هو تأثر صحتها كما تقول. توفي زوجها على إثر حادث وترك لها بنت وولد صغيران، حرصت على المساواة بينهما في كافة الأمور، وحمايتهما من التفرقة التي عانتها، وعن تلك المرحلة في حياتها تقول: “أنا شفت إن الحظ ما ساعدنيش أوي على إني أستمتع بحياتي العائلية، خصوصاً بعد الصدمة بتاعت وفاة زوجي ده وتفرغي لتربية أولادي والانشغال بمصالحي الشخصية اللي ما كانش حد بيشوفها لي”.
بعد زواجها، استكملت دراستها للحصول على درجة الدكتوراه، وكانت عن علم الجمال في الاتجاه الأفلاطوني، ومرة أخرى كان المشرف على رسالتها هو الدكتور فؤاد الأهواني. وبعد حصولها على درجة الدكتوراه، تفرغت للتدريس بالجامعة، وكما تقول: ” بعد الدكتوراه تفرغت للتدريس؛ أتعينت مدرس في الجامعة وما اشتغلتش برة الجامعة، طول عمري في الجامعة من يوم ما دخلتها طالبة لغاية ما خرجت على المعاش…. جامعة القاهرة دي خدت عمري كله”، واستمرت في التدريس بالجامعة حتى عام 1991، ثم أصبحت أستاذة متفرغة تشرف على الرسائل العلمية وتقوم بالتدريس لطلبة الدراسات العليا.
أحبت أميرة مطر التعليم والعمل ورأت أنهما أعطياها الإحساس بشخصيتها وكيانها المستقل، ورغم رفض أسرتها وشعورها بقدر من التمييز في علاقتها بأشقائها، حيث كانت ترى الاهتمام والفرح بتفوقهم فقط، فكما تقول: “كان الفرق واضح أيوه، ما كانوش يفرحوا لما أتفوق أنا، كانوا يفضلوا إن الولاد هما اللي يتفوقوا”، ورغم أيضاً اختلافها عمن حولها في إطار الأسرة والمجتمع فكما تقول “اللي حواليه كانوا بيستغربوا، خصوصاً الأهل والمعارف. ليه بتضيعي وقتك في الكتب؟ ما بتجيش تزورينا ليه؟ ما بتقعديش تتكلمي مع الجيران مثلا تزوريهم ليه والقرايب وتحضري الأفراح وأعياد الميلاد؟ ما كنتش منتبهة أوي للحاجات الاجتماعية”، إلا أنها أصرت على اتخاذ طريق العلم والتعليم والدراسة للنهاية. وترى أن دراسة الفلسفة قد أثرت فيها بشكل كبير وجعلت عندها درجة من التقبل والتفكير المستقل، فتقول: ” كانت عندي نوع من الثورة على بعض المفاهيم والتقاليد المتوارثة في المجتمع…. حاجات كثيرة في المجتمع الفلسفة علمتني إني أنظر لها بنظرة نقدية أكثر منها نظرة متقبلة أوي؛ مش متقبلة حاجات كثيرة أوي في المجتمع”. وترى أنها دافعت عن حقوقها بشكل كبير، وتحدت الكثير من الأعراف والتقاليد، وتحملت نتيجة ذلك وحدها، وكما تقول: “حسيت إني أنا دافعت عن حقوقي وشخصيتي واستقلالي وحريتي بقدر إمكاني، وده كان ضروري أعمله وده اللي اتعلمته من الفلسفة، بس أنا دلوقتي لاص خ وحيدة إلى حد كبير ومش متكيفة مع المجتمع أوي”.















