عواطف عبد الكريم
أستاذة الموسيقى
تتحدث الدكتورة عواطف عبد الكريم رائدة التأليف الموسيقي في مصر عن رحلتها مع الموسيقى ودراستها لها. فهي أول سيدة مصرية درست الموسيقى دراسة أكاديمية، وتخرجت من كلية التربية الموسيقية بجامعة حلوان، ثم استكملت دراسة الموسيقى بأكاديمية الموسيقى والفنون التعبيرية بالنمسا، وهي واحدة من أكبر المؤسسات التعليمية الموسيقية في العالم. قامت بإنشاء قسم النظريات والتأليف في كلية التربية الموسيقية في عام 1971، كما ساهمت في تأسيس قسم القيادة والتأليف بمعهد الكونسرفتوار. ساهمت أيضاً في تأسيس قسم الموسيقى بمعهد النقد الفني، وقامت بالتدريس في المعهد ذاته حتى عام 1984، وذلك إلى جانب عملها كعميدة لكلية التربية الموسيقية حتى عام 1985، وتدريسها أيضاً في المعهد العالي للسينما.
ولدت عواطف عبد الكريم بالفيوم، وكان والدها مهندساً، وكانت والدتها من أصل تركي، وهي من اهتمت بالجانب الفني خلال نشأتها. وانتقلت بعد ذلك إلى القاهرة مع عائلتها. وبدأ حبها للموسيقى مع البيانو الذي كانت أختاها تتعلمه وهي تراقب وتحاول العزف مثلهما. بعد حصولها على الشهادة الابتدائية، أبلغتها شقيقتها الوسطى الدكتورة عفاف عبد الكريم، والتي أصبحت عميدة لكلية التربية الرياضية بالإسكندرية فيما بعد، بأنه سيتم إنشاء مدرسة ثانوية للموسيقى، وأن عليها التقدم للدراسة بها إذا أحبت. بالفعل تقدمت وتمت مقابلتها وامتحانها من قبل الدكتورة الألمانية بريدجيت شيفر والدكتور هانز هيكمان، وكانا هما من اقترحا أن يكون هناك دراسة ثانوية أدبي موسيقى، وألحق هذا القسم بالمعهد العالي لمعلمات الموسيقى، وكان يقع في بولاق الدكرور وترأسه الدكتورة إقبال راشد. اعترضت أسرتها في البداية على دراستها للموسيقى، ولكن كما تقول: “آه كان فيه اعتراضات بس لما شافوا إن الدراسة جد مفيش حاجة خارجة عن حدود الأدب أو اللياقة واللي داخلين معظمهم ناس من عائلات”، وافقت الأسرة في النهاية. بعد التحاقها بهذا القسم، درست الموسيقى إلى جانب المواد العملية الأخرى، ودرس لها عدد من الأساتذة من إنجلترا وألمانيا والسويد إلى جانب الأساتذة المصريين. حصلت على الثانوية العامة أدبي موسيقى، وبعدها حصلت على التوجيهية، وكانت التفوق حليفها طوال دراستها. وتخرجت في عام 1954، وتذكر أن دفعتها كانت جميعها من الفتيات، وأن التدريس كان هو المجال المتاح لهن للعمل في ذلك الوقت. كانت لديها رغبة كبيرة في السفر إلى الخارج بعد انتهائها من الدارسة، ولكنها لم تتمكن من ذلك بسبب رفض والدها لسفرها. وعينت كمعيدة بالمعهد العالي للتربية الموسيقية.
تزوجت في عام 1955 من الدكتور محمد عبد الفتاح البيلي، السينمائي ورئيس قسم الديكور في كلية الفنون الجميلة، وكان زميلاً لشقيقها الفنان التشكيلي صلاح عبد الكريم. وفي عام 1957، ونظراً لتفوقها، تم إرسالها في بعثة إلى النمسا لاستكمال دراستها في النظريات والتأليف. ذهبت في البداية إلى فيينا واصطحبت ابنتها معها، وتتحدث عن المعاناة التي لاقتها بسبب ذلك في بداية سفرها. لحق زوجها بهم في العام الثاني من البعثة واستكمل الدراسة هناك. وتذكر أن الدكتور أحمد عطية، المستشار الثقافي المصري بالنمسا في ذلك الوقت، قد لام عليها اصطحابها لابنتها، كما لام عليها اختيارها الذهاب إلى فيينا حيث العديد من الطلبة المصريين، وهو ما اعتبره سيؤثر سلباً على دراستها وتركيزها وإتقانها اللغة. وعليه ألحقها المستشار بأكاديمية الموسيقى والفنون التعبيرية في النمسا، أو كما يطلق عليها أكاديمية موتسارت، وهي أكاديمية عريقة جداً. حصلت على دبلومة بتقدير امتياز، وبعدها حصلت على جائزة التفوق من دولة النمسا.
بعد عودتها من النمسا، انتدبت للتدريس بالكنسرفتوار إلى جانب التدريس بكلية التربية الموسيقية، والتي أصبحت عميدتها فيما بعد. وقامت في هذه الفترة بالتأليف الموسيقي لعدد من المسرحيات. كما نفذت بعض الأغاني لكورال عدد من المدارس. شاركت أيضاً في أنشطة الجمعية الدولية للتربية الموسيقية التابعة لمنظمة اليونيسكو، كما انتخبت عضوة في المجلس الدولي التابع أيضاً لمنظمة اليونيسكو في عام 1994. كذلك تم ضمها كعضوة في لجنة الموسيقى والأوبرا والباليه بالمجلس الأعلى للثقافة، وكانت العضوة الأصغر باللجنة، ثم أصبحت مقررة اللجنة من عام 1993 وحتى عام 1999. وخلال هذه الفترة اقترحت إصدار مجلة “آفاق”، وكما تقول: “عملتها بس عشان أدلل إن فيه أساتذة موسيقى قادرين على الكتابة العلمية والبحث العلمي، وقادرين على إنهم يعبروا عن نفسهم بشكل جيد. هي كمان رغبة محاولة نشر الثقافة الموسيقية بين الهواة برضه فيها موضوعات تخصصية يمكن تهم المتخصصين أكثر من الهواة ففيها موضوعات مختلفة”. أنتجت عدداً من الكتب الدراسية، وكذلك العديد من الألحان الموسيقية. واستمرت في عملها بالتدريس إلى أن بدأت في تأسيس قسم للنظريات والتأليف ووضعت مناهجه للدراسة الجامعية وكذلك الدراسات العليا. ساهمت أيضاً في تأسيس قسم النظريات والتأليف بالكونسرفتوار مع الدكتور جمال عبد الرحيم رائد التأليف الموسيقي الحديث في مصر. ساهمت أيضاً في تأسيس قسم الموسيقى بالمعهد العالي للنقد الموسيقى، ودرّست به لحوالي عشرين عاماً. كما شاركت مع مجمع اللغة العربية في إصدار أول موسوعة مترجمة للمصطلحات الموسيقية الغربية، وذلك من خلال لجنة ألفاظ الحضارة، وتذكر عدداً من أعضاء اللجنة، وهم الدكتور الطيب النجار والدكتور مجدي وهبة والدكتور أبو شادي الروبي والدكتور عز الدين عبد الله والدكتور إبراهيم الترزي، وكان وكيلاً لمجمع اللغة العربية. وقد شعرت عواطف عبد الكريم ببعض الندم فيما بعد، نظراً لاهتمامها بالجانب الأكاديمي والتدريس على حساب الجانب الإبداعي والتأليف الموسيقي، فكما تقول: “فهي الحتة اللي زعلانة عليها دلوقتى هي الحتة الإبداعية. كان ممكن إن إبداعي يبقى مالي الدنيا وعلى مستوى كويس جداً”.
تحدثت عواطف عبد الكريم عن فترة الستينيات، وكيف شهدت نهضة موسيقية كبيرة، وازدهاراً للمسرح أيضاً، تمنت لو استمر بعد ذلك. لكن للأسف، لم يحدث ذلك من وجهة نظرها، ربما بسبب بعض العوامل الاقتصادية أو الثقافية، وكما تقول: “ما بقاش فيه كيان متماسك ضخم مؤثر في المجتمع أو حتى له وجود في المجتمع”. وتتذكر مثلاً بعض الخلافات بينها وبين رئيس الجامعة وقت أن كانت عميدة، نظراً لرغبته في زيادة عدد الطلبة والطالبات وتقليل ساعات الدراسة، وهو الخلاف الذي تقدمت على أثره بالاستقالة من كلية التربية الموسيقية.
ترى أيضاً أن ثورة 1952 أرادت أن تنهض بالمجتمع وأن تصل إلى آفاق جديدة، ولكنها كذلك لا تنكر اهتمام النظام السابق على الثورة بالفنون والإبداع.
اهتمت عواطف عبد الكريم طوال الوقت بخلق نوع من التوازن بين حياتها الأسرية وعملها الأكاديمي والإبداعي، وترى أن مساندة زوجها كانت عاملاً مهماً في نجاحها في خلق هذا التوازن، حيث وعدها منذ البداية بألا يكون زواجهما عقبة في طريقها، وكان متفهماً طوال الوقت، نظراً لكونه فناناً تشكيلياً.
لم تشعر أنها تعرضت لأي تمييز كونها امرأة، وترى أنها أخذت فرص كثيرة نظراً لتفوقها واهتمامها بعملها وموهبتها، وتقول: “كامرأة لا ما كانش فيه، أنا في الحقيقة لما آجى أبص أقدر أقول إني أخدت فرصي كاملة لأن أنا كنت شغالة وموهوبة، ويمكن الظروف خلت الأضواء تسلط عليا من خلال صحفيين أو حاجة زي كده إنما ما حسيتش إن فيه ده. وبعدين أصل هو مع مجموعة ما كانش فيه إلا سيدات، أقدم معهد للموسيقى كان للمعلمات فكنا كلنا سيدات”.


















