loading...
زينب الأتربي

ارشيف التاريخ الشفوي زينب الأتربي

زينب الأتربي

ناظرة

تتحدث رائدة التعليم زينب الأتربي في هذه المقابلة عن رحلتها مع التعليم والعمل التي بدأت بالتحاقها بمدرسة المنصورة الابتدائية وحصولها على الشهادة الابتدائية في عام 1925، ثم مدرسة شبرا الثانوية بنات وهي مدرسة لديها قسم داخلي يسمح للفتيات بالبقاء في المدرسة طوال الأسبوع ثم الذهاب لأسرهن في نهاية الأسبوع، وهو القسم الذي انضمت هي إليه. التحقت بعد ذلك بالجامعة، وتخرجت من كلية الآداب قسم الجغرافيا بجامعة القاهرة، وكانت أول فتاة تلتحق بالجامعة في عائلتها، وواحدة من ضمن الدفعة الثانية التي ضمت فتيات في جامعة القاهرة. وفي النهاية، التحقت بمعهد التربية للمعلمات حيث تم تأهيلها للعمل كمعلمة. ثم انتدبت من قبل وزارة التربية والتعليم للتدريس في مدرسة كوبري القبة للثقافة النسوية، بالتزامن مع عملها في مدرسة حلوان الثانوية، وبعدها عملت في مدرسة السنية، وأخيراً في معهد التربية الملحق بجامعة القاهرة.

تذكر زينب الأتربي أثر والدتها ووالدها الأزهري، واهتمامهما بالتعليم والفن ودعمهما المستمر لها خلال رحلتها مع التعليم، كذلك اهتمامهما الشديد بالتنشئة الدينية. كما تتحدث عن مدرسة المنصورة الابتدائية التي تم انشاؤها في العشرينات، وكانت مدرسة مشتركة، وكيف لم يعترض الأهالي في ذلك الوقت على كون المدرسة مشتركة. أيضاً تحدثت عن معلماتها بمدرسة شبرا الثانوية وعن نظام التعليم الصارم بالمدرسة، والذي بالرغم من ذلك عاملها وزميلاتها كأسرة واحدة كبيرة وأعطاهم حرية التعبير عن آرائهن. تتحدث أيضاً عن الاهتمام الشامل الذي تلقته من خلال هذا النظام التعليمي في مختلف الجوانب، حيث كان الاهتمام بالعلم والرياضة والفن والتربية الدينية والنظافة والزي المدرسي وكذلك التغذية السليمة. ضم كل فصل دراسي حوالي 20 أو 25 فتاة يتبعن النظام بمنتهى الدقة طوال اليوم الذي يبدأ في الساعة السادسة صباحاً وحتى موعد النوم في تمام الساعة الثامنة مساءً.

أحبت اللغة العربية وكتابة موضوعات الانشاء، وتذكر الشيخ عبد اللطيف المغربي، مدرس اللغة العربية الذي قال لها “أنتِ تغرفين من بحر” لشدة إعجابه وتقديره لأسلوبها في الكتابة. ولكنها لم تحب مادة الحساب التي درسها لها مختار أفندي الجمال. كما درس لها فؤاد أفندي سعيد مادة الكيمياء. كذلك درس لها عدد من المدرسين والمدرسات الفرنسيات والإنجليزيات. أحبت مدرسيها جميعاً، ولم تشعر في ذلك الوقت، كونها طفلة صغيره، تجاه الأجانب منهم بشعور الغضب تجاه المستعمر، لكنها أدركت فداحة الاستعمار بعد ذلك في سن أكبر.

تحدثت أيضاً عن أبلة إنصاف سري وهي واحدة من أبرز رائدات التعليم في مصر، وكانت ناظرة المدرسة في ذلك الوقت، وتذكر تفانيها الشديد في عملها، وكيف أحبتها بشدة، ولكنها كانت تخشاها جداً في نفس الوقت. وذكرت كذلك بعض من زميلاتها البارزات مثل (إحسان عوض وأسماء فهمي الكاشف وصفية موسى ونفيسة حسين وزينب رفعت).

نشأت زينب الأتربي في ظل علاقة بين والديها قائمة على المحبة والاحترام الشديدين والاتفاق الدائم على أسلوب التربية. وتكونت أسرتها من والدها ووالدتها و4 بنات و3 أولاد، ولكن الأولاد توفوا جميعا وهم صغار، بخلاف 3 بنات أخريات توفين أيضاً. وتحدثت عن ذكرياتها مع أسرتها وكيف كانت تقضي إجازتها الصيفية بين الرسم وعزف البيانو والخياطة، حيث كن يذهبن لمحلات “شيكوريل” لشراء البترونات والأقمشة. وكانت أختها الكبرى أبلة لبيبة حاصلة على الشهادة الابتدائية فقط، وكان والدها يأتي لها بعدد كبير من الروايات وخاصة كتب مصطفى لطفي المنفلوطي، فتشاركن جميعهن في قراءة هذه الكتب في إجازة الصيف، ولم تتوقف طوال الوقت عن حبها لقراءة الكتب وخاصة الأشعار.

أما عن فترة الدراسة الجامعية، فتذكر التحاقها وبعض من زميلاتها بالجامعة، ومنهن زينب الشعراني وبثينة توفيق، أما البعض الآخر فلم يكملن دراستهن الجامعية. وكان نجيب محفوظ أحد زملاءها في الجامعة، ولكن لم يكن هناك اختلاط أو حوار مباشر بينها هي وزميلاتها وبين زملائهم من الرجال. تذكر أيضاً كيف استدعاها طه حسين، وكان عميد كلية الآداب في ذلك الوقت، ليقنعها بالالتحاق بقسم اللغة العربية بدلاً من قسم الجغرافيا، لتميزها الشديد فيها. لكنها فضلت الاستمرار في دراسة الجغرافيا التي أحبتها. وتذكر مشاركتها في تنظيم الندوات المختلفة في السنة الثالثة من الدراسة الجامعية. أما عن معهد التربية للمعلمات، فقد درست فيه لمدة عامين بعد التخرج من الجامعة، وتعلمت فيه العمل كمعلمة وكيفية التعامل مع الطلاب ومتطلبات العمل، وكان خريجو المعهد يحصلون على 15 جنية كراتب إضافي.

بعد أن أصبحت معلمة للجغرافيا، اهتمت زينب الأتربي بتعليم فتياتها بنفس النظام والصرامة اللذين تلقتهما خلال فترة تعليمها. وخلال فترة عملها لمدة خمس سنوات في مدرسة حلوان الثانوية، وكانت ناظرتها في ذلك الوقت تدعى جليلة صادق، ساعدت زينب الفتيات بدروس خاصة دون مقابل. كذلك قامت بعمل مرصد في معمل الجغرافيا لقياس الرياح واتجاهاتها. فأحبتها طالباتها حباً شديداً وخشينها أيضاً بشدة، كمعلماتها السابقات. استغرقت تماماً في عملها، حتى أنها في أول عام لها بالمدرسة لما تتمكن من زيارة “الحديقة اليابانية” بحلوان إلا في آخر يوم في الدراسة. وقد حافظت على علاقة طيبة مع أساتذتها بالجامعة خلال فترة عملها، وساعدها عدد منهم، وأمدوها بالعديد من المذكرات والمراجع التي استفادت منها في عملها. وكانت فترة مجهدة بالنسبة لها نظراً لانتدابها من قبل وزارة التربية والتعليم للعمل في نفس الوقت ولمدة عام في مدرسة كوبري القبة للثقافة النسوية، وكما تقول: “الواحد اشتغل كتير قوي وتعب كتير قوي”، وعلى الرغم من ذلك تتحدث دائماً عن حبها لعملها وسعادتها بما أنجزته.

أما عن عملها في مدرسة السنية، فقد قامت بالتدريس للصف الأول الثانوي، وعانت من عدم التزام الطالبات في البداية حتى أنها رفضت أن تقوم بالتدريس لمدة أسبوعين كاملين، حتى تلتزم الطالبات بالنظام، وقد كان. واستمرت بالعمل فيها لمدة عام. وبعد ذلك، نقلت للعمل بمعهد التربية. وظلت دائماً على علاقة طيبة ببعض طالباتها، وخاصة طالبات مدرسة حلوان، ومنهن إجلال السباعي ونعمات فؤاد وبثينة الخولي، والتقت ببعضهن بعد سنوات طويلة مثلما حدث مع تلميذتها ملكة عريشة، التي أصبحت بدورها ناظرة لمدرسة حلوان الثانوية فيما بعد.

تزوجت خلال فترة عملها بمدرسة حلوان الثانوية في عمر الثامنة والعشرين. وتذكر أنها لم تتعرض لأية ضغوط لتتزوج في سن مبكر. لم تشعر في أية لحظة بأي تعارض بين عملها وزواجها، وتعاملت مع الأمر بشكل طبيعي وبسيط. وكان هناك توافق كبير بينها وبين زوجها الذي كان زميلها خلال فترة دراستها الجامعية، وكان يعمل ناظرا ً لمدرسة الإسماعيلية بشبرا. وعاشت معه حياة اعتبرتها حياة سعيدة جداً، وتقول: “كنا بنحب بعض بصحيح.. كان قلبنا على بعض، هو ده الحب”. عاشت بعد زواجها سنة واحدة في حلوان، وبعد انتقالها لمدرسة السنية، انتقلت من حلوان لتعيش في منزل مجاور للمدرسة. بعد إنجابها لابنتها الأولى، حاولت والدة زينب أن تقنعها بترك العمل، ولكنها رفضت، فكما تقول: “حكاية نشاط.. كنت بحب شغلي صحيح”، واستمرت في عملها بمساعدة والدتها لها، ولم تستجب للانتقادات التي واجهاتها من البعض بسبب عملها. ثم انجبت ابنتها الثانية، واستمرت مرة أخرى في عملها، حتى استقالت في عام 1954 قبل أسبوع من انجابها لابنتها الصغرى.

ترى زينب الأتربي أن العمل بمجال التعليم كان هو المجال المتاح كي تتمكن النساء من العمل، وتذكر أنه في إحدى الفترات تم منع المدرسات من الزواج طوال فترة عملهن. كذلك عمل عدد من النساء في مجال الطب، ولكن لم يسمح لهن بالعمل في مجالات أخرى عديدة، في ذلك الوقت. ومن وجهة نظرها، ظل الرجل دائماً هو المفضل سواء على المستوى العملي أو الاجتماعي.

آمنت زينب الأتربي بأهمية تعليم المرأة وعملها رغم الجهد والمشقة، ورفضت تماماً الدعوات المتكررة للمجتمع بترك المرأة للتعليم والعمل. وترى أن تعليمها وعملها لم يتسببا في تغيير شخصيتها أو اختلافها، فظللت “عاطفية” كما تصف نفسها، وكما تقول: “بيصعب عليا الناس قوي”. ورغم ذلك حافظت على صرامتها مع طالباتها، فكما تقول: “مع البنات، عشان عايزه مصلحتهم ما كنتش بأدلعهم.. كنت آخد بالي منهم.. كان قلبي عليهم قوي”.